بقلم | جري سالم الجري
سعادة الدكتور وسيم السيسي ذكر في إحدى لقاءاته التلفزوينية، قصة ولادة كلمة "طنش"، حيث أوضح بأنه كان هنالك مصري يهودي يُدعى مسيو تناش، الذي عاش في مصر ما قبل جمال عبدالناصر، فلقد كان تناش في كل يوم تجده جالسًا ،وسط جعجعة و قعقعة النواب الحانقين و الصارخين، وهو لا ينطق كلمة، و لا حتى يكتب حرفًا، ولا يتعارض مع أحد، فتناش يكتفي بإتمام الحد الأدنى من مسؤوليته؛ مع الإهمال التام للدراما المجتمعية لذلك لا أحد ينال منه، و لا ينتبه له.
فشبة المصريون أي أحد لا يبالي بأنه مسيو تناش، لغاية ما أن تحولت التاء إلى طاء، فكعادة العرب مع الكلمات الأعجمية ذات التاء المفخمة (طوكيو-تاكسي-واشنطن). فلذلك نجد في اللسان العامي يقولون " اه...فلان طنشك" ،ولكن أيها القارئ الكريم، هل صدقت المغنية اللبنانية الراحلة صباح حينما سألوها عن سر سعادتها بقولها " طنش تعش"؟
ليس العباقرة أضخم أدمغة من غيرهم، لا عبقري إلا من "طنش" كل شيء لمرامه، فالذكاوات أنواع؛ من لا يدرك أُفقها، عليك أن "تطنشه".
الموسيقار العظيم، أهمل كل الإحتمالات النَغمية بالوجود، وركز على لَحنًا أنْطق روحه فيه،الشاعر البليغ، هو من رمى مجلد المعجم بالنار بعد أن أخذ إجمالي ربع صفحة منه، ليتجلى بقصيدهِ فؤاده ،أما الطاهي العالمي ترى طهيه له سعر خاص؛ رغم أنه يستخدم نفس مقادير ومكونات منافسيه ،وأما لاعب كرة القدم الأنجح فهو الذي لا يدخل الدم دماغه إلا لتندمج أعصابه مع فيزياء الكرة بكل نبضة،فكل أولئك العظماء قد حققوا فلسفة يابانية روحانية مشهورة باسم "أوكامي".
كمسلمين لا نؤمن بالمفهوم الروحاني لهذه الفلسفة اليابانية البوذية الشرقية؛ فإنها تدعي بأن الإنسان البارع في الصناعة هو من يخلط روحه مع روح المادة التي يصنعها، ليكونا ذاتًا واحدة ،ولكن تلك الفلسفة الشرقية، وصل لها علماء الغرب بالطب النفسي، ولكنهم منحوها مسمى علمي وهو (Flow)، التي تعني حرفيًا (التدفق). هذه الحالة الذهنية، إستفاض بشرحها السيكلوجي مَاهِلي، الأمريكي من الأصول الهنغارية، مؤلف كتاب (Flow: The Psychology of Optimal Experience)(التدفق: سيكلوجية ذروة التجربة.).
يرى علماء النفس، بأن حالة التدفق هي أعظم دواء لتخلص من الإدمان والإكتئاب، فهي هي تلك الحالة التي تستشعرها حينما تغسل الأطباق و قد نسيت كل همومك، أو لما تضحك وسط أصحابك وكأنك عدت لزمن طفولتك، بلا ديون أو هموم.
السيكولوجيا و الروحانيات الشرقية تمجد ذاك الصفاء الذهني، الذي سيريحك و يجعلك عظيما في ذات الوقت. وهو ذاك الهناء الذي لن تناله إلا لما تسمع..." طنش تعش".







