بقلم/ أمل يونس
عندما يقال التجربة خير برهان، أو قول البعض أن الأمور في هذه الحياة العجيبة لا تقاس سوى بالتجربة الذاتية، عندها لا بد من وجود جزء لا يتجزأ من فكرنا وخيالنا يخالف هذا الكلام، بزعمنا أن الإحساس بالآخرين أو المشاركة الوجدانية قد تجدي نفعًا، وتجعلنا نعيش الآخر، وكذلك الحال عند ممارسة الكتابة في مواضيع عامة، أو خاصة، تجد نفسك ماهر في وصف الكثير من الأحداث، وقد تجيد التحدث عن العديد من الأمور والآراء حتى من واقع تجارب من حولك، فعلى سبيل المثال لا الحصر فايروس كورونا المستجد “Covid 19”.
كُتبت عنه من الخواطر والمقالات الشيء الكثير، وأُلفت فيه الكتيبات والمنشورات ما لا حصر لها ولا عدد، أنا شخصيًا لم أكن أكترث في البحث عن حالة الكاتب!! أكتب عن هذا الفايروس من أثر تجربة شخصية ؟؟ أو من خلال تجارب سماعية سمعت من هذا وذاك .
فقد كنت ضمن الكاتبات اللواتي كتبنَّ عنه وعن الطرق المثلى للوقاية منه، وسبل التعايش معه بحذر، ولعلني نجحت في تحرير العديد من النصائح المفيدة لكل من يرغب الاستزادة منذ ظهوره واجتياحه العالم، إلى الانتصار عليه وانحساره وعودة الحياة الاجتماعية إلى مناشطها الطبيعية -ولله الحمد-.
وذات يوم حدث لي ما جعلني أيقن أن التجربة هي القيمة الأسمى على الإطلاق، أو أزداد يقينًا إذا صح التعبير!!
حيث عشت تجربة عجيبة إثر اصابتي بهذا الفايروس العجيب، فعلى الرغم من حرصي واهتمامي وأخذي بالأسباب، وبعد مضي ثلاث سنوات على ظهوره ومن ثم النجاح الباهر في التغلب عليه؛ إلا أن إرادة الله -سبحانه وتعالى- تظل صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة، ولسان حالي يسأل مستفهمًا لماذا في هذا التوقيت من السنة؟
هل عاد مجددًا ليغزو جسدي ويأسرني في عالمه الغريب؟
العديد من الأسئلة تدور على مدار “٢٤ساعة” والإجابة إزاء ذلك واحدة “قدر الله وما شاء فعل”
ارتفعت حرارة جسدي على غير عادة، شعرت بأعراض سمعت عنها سلفًا لكني الآن أعيشها ولأول مرة، خلتُ أني مصابه بزكام شديد، أو أني أصبت بانفلونزا مع تغير الأجواء وتقلبها خلال هذا الشهر الفضيل، إلا أن هذه الخيارات لم تلبث أن ذهبت أدراج الرياح؛ فالأمر أعظم والأعراض أكبر، العرق يتصبب من أنحاء متفرقة من جسدي المنهك!!
ألآم مبرحه في ظهري بل في سائر جسمي، قد يكون الألم قد تمركز في أطرافي السفلية، كلا هو في رأسي!! لماذا أسعل بشدة ؟ لماذا نفسي حارٌ جدًا؟؟
لا، لن أستطيع الذهاب إلى العمل؛ فحالتي يرثى لها !! لابأس قد أحظى ببعض الراحة لأستعيد نشاطي، والمفاجأة الكبرى أن الأعراض فاقت التوقعات حتى ظننت أني احتضر!!
ماذا؟!!!
هل أنا أحتضر؟؟
بلى، فقد انتقلت إلى حالة لم أعهدها، شرود، بكاء، صمتٌ يحمل معه ألفُ لغةٍ ولغة !!؟؟
تذكرت الموت، رأيت الأموات إبان صراعي مع المجهول، شريط الذكريات بحلوها ومرها يسير بكل حسناته وسيئاته !!؟؟
هل هذا هو الموت؟
لساني يلهجُ بالدعاء وقلبي يعتصر!! ( اللهم إني أمتك الضعيفة عبادك غيري كثير وليس لي ربٌ سواك، اللهم ارحمني اللهم ارزقني، اللهم أسألك القلب السليم فأنا سامحت وعفوت عمن ظلمني طمعًا في عفوك ومغفرتك -استغفر الله العظيم وأتوب إليه- يا الله لا طاقة لي بعذابك، اللهم….)
إلى أن تغشتني رحمةٌ واسعةٌ اغمضت عيني؛
﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نعاساً ﴾
استيقظت وعقارب الساعة تكاد تعلن انتصاف الليل عندها وقع اسم فايروس كورونا كالسهم بأعماقي!!
هل يعقل أني مصابه به !!؟؟ ولكنه لم يكن ضمن الخيارات فأنا محصنة و-لله الحمد- واتبع الكثير من التعليمات الوقائية ضده؟؟!!
بعد أخذ موعد للفحص توجهت وأُخِذت مني عينه، عدت لمنزلي وأنا منتظرة (كلمة سلبي) برسالة من تطبيق صحتي، فكورونا انحسرت و-لله الحمد-
أصبحتُ، صارت الساعة ٧:٢٠ صباحًا وإذ توافيني الرسالة النصية الحاملة “للحقيقة الدامغة” التي تثبت اصابتي بفايروس “Covid 19” وهي إيذانًا لعيش تجربة العزلة التي لطالما كتبت عنها من محض الخيال فقط؛ بيد أن الواقع أصعب بكثيييير، فاللهم اجعله يمر ولا يضر.
سبعة أيام في عزلة بالحجر المنزلي، ما عساي فاعلةٌ فيها؟! وكيف السبيل والخلاص من ثقلها؟؟
مضت ثلاث أيام بالعزلة لا أعرف هل أنا بالفعل مصابة أم هذا كابوس يأبى أن ينفك عني ؟؟
العالم بأسره في حالة خشوع وعبادة احتفاءً بالعشر الأواخر من رمضان وأنا في عالم مختلف أشبه بالدوامة!!
فتارة أشعر بأني معهم في الأجواء الروحانية التعبدية، وتارةً أخرى أشعر بأن لا عالم سوى ما أعيشه من الأرق والهواجس والأفكار المسمومة.
ما هذا الكائن الفضائي الذي يرغب في أخذي جبرًا، وارتئى رحيلي لعالم الفانتازيا والخيال؟!!!
أنا في حالة رفض شديد، لكن الأعراض المستحيلة تعيدني للواقع وتهمس بسخرية، أن ما أعيشه هو الواقع، أشعر بدوااار كلا، الدنيا هي من تدور فرأسي ثابت، أصواتٌ مرتفعة وأخرى منخفضة !! أهذا ضربٌ من جنون!؟
ومع بداية اليوم الرابع من العزلة إلى آخرها بدأت مشاعري تتعافى وتشرق شمسي من جديد، وكذا أفكاري أضحت مستقيمة!! فأنا امرأةٌ مسلمة، والإسلام في أجلّ معانيه هو الاستسلام لله بالقول والعمل.
نعم، وأنا مؤمنة بالقضاء والقدر خيره وشره، وهاهي قد فُتحت لي آفاقٌ لفرصة من ذهب لأتدارك تقصيري فالله -سبحانه وتعالى- لم يبتليني إلا لأنه يحبني ويريد أن يطهرني، وقد ورد في الحديثِ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَخلَ على أُمِّ السَّائِبِ، أو أُمِّ الْمُسِّيبِ فَسألَها: ما لكِ تُزَفْزِفِينَ؟ أي: تَرتَعدِينَ مِنَ البَرْدِ؟ فَأجابَتْه: الحُمَّى، أي: السُّخونةُ وهي نوعٌ مِنَ الأمراضِ، وهي أنواعٌ مُتعدِّدةٌ، ولكنَّها تكونُ بِقدَرِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فهو الَّذي يُقدِّرُها وقوعًا ويَرفعُها سبحانه وتعالى؛ لا بارَكَ اللهُ فيها؛ فقالَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تَسُبِّي الحُمَّى، أي: بِجميعِ أقسامِها؛ فإنَّها تُذْهِبُ، أي: تَمحو وتُكفِّرُ وتُزيلُ، خَطايا بني – آدمَ، أي: ممَّا يَقبلُ التَّكفيرَ، كما يُذهِبُ الكِيرُ خَبثَ الحديدِ، أي: وَسخَهُ. وكِيرُ الحدَّادِ، جِهازٌ يَستخدمُه الحدَّادُ لِلنفخِ في النَّارِ لِإذكائِها؛ فإنَّ الحديدَ إذا صُهِرَ على النَّارِ ذَهبَ خبَثُه وبَقِي صافيًا كذلك الحمَّى تفعلُ في الإنسانِ كذلكَ
في الحديثِ: النَّهيُ عَنْ سبِّ الحمَّى؛ لِمَا فيه مِنَ التَّبَرُّمِ والتَّضَجُّرِ مِن قدَرِ الله تعالى، مع ما فيها مِن تكفيرِ السِّيَّئاتِ، وإثباتِ الحسناتِ.
وفيه: الرِّضا بِقضاءِ اللهِ وقدَرِه.
“فاللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك”.
نهائي..




