تعرضت الأيام الماضية لإصابة كورونا وشفيت ولله الحمد والمنه، ولا أريد الحديث طبيا عن كورونا ولست أهل لذلك، ولكن هناك جانب يعنيني وبالذات بحكم أني أميل للحياة الاجتماعية فقد كنت أخشى من الوحدة والعزلة سواء بسبب مرض أو بتعمد الانعزال لفترة، لأني وجدت بالعزلة مميزات وفوائد عديدة قد لا تتوقعها بعد تأمل هي على النحو التالي:
تساعدك العزلة على اكتشاف ذاتك، فمعظمنا يندمج مع الحياة وينشغل بها، حد أنه ينسى نفسه، قد تكون ضعت في وسط الحياة ومشاغلها، وسط الآخرين وآراءهم بك، لدرجة بدأت تشعر فيها أنك شخص آخر، أو أنك حقًا لا تعرف نفسك، لا تعرف ما الذي تريده بالضبط، ما الذي يرضيك؟ ما الذي يسعدك؟.
وللتعرف على ذاتك وفهم بواطنها، ليس هناك وسيلة أفضل من الاختلاء بها، فلابد من أخذ استراحة من الحياة والآخرين كل فترة، لابد أن تنفرد بنفسك، تعيد حساباتك من جديد، تعيد تقييم الأمور والحياة، تتحدث إلى نفسك، تفهم ما الذي تريده بالضبط، تتقبلها وتتصالح معها.
كما تساعد العزلة على إخراج طاقتك المدفونة وإبداعك الداخلي، فطالما كان الإبداع مقترن بالعزلة، فإنه نتيجة حتمية لها، فالحياة للأسف تؤثر فينا سلبًا بسبب الضغوطات والمسؤوليات الملقاة على عاتقنا، لا وقت لدينا للإبداع هنا، فقليل من العزلة، ننشط الإبداع نبث الحياة فيه من جديد، ستجد أكثر الناس معرفة بهذه الفكرة هم المبدعون، يدركون أهمية العزلة، تجدهم يتعاملون معها بامتنان حقيقي.
العزلة مهمة جدا لبدء التخطيط الجيد لحياتك ومستقبلك، فأنت تحتاج أن تكون وحيدا بعيد عن أي ضغوط، فإذا أردت التخطيط لحياتك بأفضل شكل ممكن؛ فانعزل قليلا عن كل شيء، وشخص حولك، فوضع الخطط وترتيب الأفكار وتنظيمها، لا يمكن أن يتم بشكل صحيح إلا إذا كنت بمفردك، إطلاع الآخرين على كل خططك، أو المشاركة في وضعها، سيفسد منها وسيقلل من عزيمتك.
تساعدك العزلة على الهدوء النفسي، فجلوسك بمفردك، في انعزال تام عن البشر وحتى عن الأشياء والماديات، تعتبر وسيلة تفريغ، وطريقة فعالة جدًا للتصالح مع الذات، ولتسوية كافة الخلافات والمشاكل، أضف لذلك أنها وسيلة ارتقاء من الدرجة الأولى، لن تفهم ذلك إلا إذا جربت، جرب اليوم أن تجلس بمفردك ولو نصف ساعة فقط، لتتحدث مع نفسك فقط.
تساعدك العزلة على التصالح مع الحياة أيضا، وليس فقط مع ذاتك، فعندما تتصالح مع ذاتك، أنت تتصالح مع كل شيء حولك، مع الآخرين الذين لطالما شكوت منهم، تتصالح حتى مع ظروفك ومشاكلك، يغدو كل شيء أسهل من ذي قبل، الحياة برمتها تصبح أخف وأبسط، وتحسن إنتاجيتك وتبعد عوامل التشتيت، ومن خلال إزالتك أكبر قدر من التشتيت في الأيام التي تحتاج فيها إلى التركيز فأنت أكثر قدرة على إنجاز ما يجب عليك القيام به، وبالتالي فإن اختيار عزل نفسك من وقت لآخر يمكن أن يحسن إنتاجيتك بشكل كبير.
وتعزز التركيز والتأمل والوعي الذاتي، يساعد ذلك على التركيز بعالمك الداخلي وأن تكون أكثر وعيا بأفكارك ومشاعرك. هذا يعزز الوعي الذاتي واكتشاف الذات، ما يتيح لك معرفة نفسك والعثور على هدفك في الحياة. فعندما لا تكون محاطاً بأشخاص آخرين طوال الوقت تقلّ التأثيرات عليك من العالم الخارجي. وللعثور على مسارك الحقيقي في الحياة؛ تعلّم الاستماع إلى نفسك الداخلية حتى تفهم ما يشبهك ويناسبك.
وتساعدك العزلة على فهم الآخرين بشكل أفضل، وجعل علاقاتنا مع الآخرين أقوى، كذلك فإن قضاء الوقت بمفردك يعمل على تحسين تقديرك للوقت الذي تقضيه مع الآخرين. ما قد يدفعك لقضاء الكثير من الوقت مع الأشخاص المحيطين بك باعتباره أمراً مسلماً به.
رغم إيجابياتها إلا أن هناك شعرة فاصلة بين العزلة الاجتماعية والوحدة المؤذية، وهنا تكمن بعض الآثار السلبية لهذه العزلة:
يجب التمييز بين قضاء الوقت بمفردك بسعادة والشعور بالوحدة لأن الحالة الأخيرة مدمرة تماماً، فالوحدة هي شعور بعدم القدرة على التواصل مع الآخرين وعدم الشعور بالانتماء، والوحدة قد تجعلك تشعر كما لو أنك غير محبوب.
تظهر الدراسات أن العزلة الاجتماعية يمكن أن تسبب الاكتئاب؛ ما يخلف آثاراً دائمة عليه ويجعل من الصعب بشكل عام الحصول على القوة والطاقة لتكون سعيداً. إضافة لذلك فهناك دراسات تشير إلى أن الشعور بالوحدة المزمنة يمكن أن يكون عاملاً مساعداً في الأمراض الجسدية كأمراض القلب ، والعزلة الاجتماعية المستمرة تجعلك أكثر عرضة للتقاعس والأفكار السلبية خاصة إذا كنت تعاني من القلق أو الاكتئاب.
وهذا الصوت الصغير في رأسك قد لا يخبرك دائماً بأشياء إيجابية وقد تبالغ بانتقاد ولوم نفسك، كما أن النقد الذاتي المبالغ به من قبلك يمكن أن يعطي الآخرين فرصة أكبر ليؤثر لومهم عليك بشكل أكبر، في وقت أنت بغنى عن كل هذه الانتقادات.






