يكبر مُبكرًا قبل البقية، يحمل أحماله فجأة، تلك الأحمال التي تمتطيه وهو ضاحك مُبتسم، يُمهد الطريق لأبناءه بينما هم غارقون في اللعب، وحين يكبرون وقد تراخت أكتافه تعبًا، يلتفت لهم ونظرة الفخر تعلو محياه: “الآن طريقكم آمن ويمكنكم أن تعبروا” .
في حديث عابر بيني وبين إحدى الفتيات التي رفضت قطعيًا الإتصال بوالدها وآثرت الإتصال بوالدتها، رددت تلك الصغيرة عبارات يرددها غالب الفتيات عن اباءهن “مشغول” او”لا يسأل عني” ، في مشهد قُلبت فيه الآيه وأصبح واجب الوالدين البر بأبناءهم!
الأب ومهما كانت سوءاته لايمُكن أن تنتهي علاقتك به فالعلاقة أعمق من مجرد دم من نفس النوع يجري في عروق كليكما، في نهارهم كدح لاينتهي، ذلك لأنهم آثروا ايصال اللقمة إلى موائدكم سائغة كافية، وفي ليلهم تدور عليهم فناجين القلق على ماقصروا ومالم يستطيعوا توفيره لأبناءهم، ثم يبدأ نهارهم التالي ليحملوا مُجددًا احمال الكدح فأنى لهم أن يسئلوا ! وأي يوم يسعفهم بأكثر من الأربع وعشرين ساعة!
إلى أي حدٍ تستطيع تلك الأرواح التي نضجت وأينعت تحت لهيب الشمس القاسي، ثم ارتجفت وتجمدت تحت زمهرير البرد القارس، أن تُحدد موعدًا واضحًا للإتصال!
في غمرةٍ إنسكاب الأسئلة التي كانت تجر انكساراتها كالإثم خلفها كان لابد أن أشي بكثير من الأشياء التي تأكلني من الداخل فقلت لفتاتي الصغيرة:
إن من وصمتيه بحروفك تلك عزّ عليه أن يُبقيكِ بلا حكاية، ففتح لك باب الدُنيا على مصراعيه، وإن دققت النظر قليلًا لأدركتِ أنه هُناك يقف بُكل ثبات ممُسكًا الباب ألا يُطبق في وجهك، لقد كان لكِ وطن يُقاسمك يومك وإن لم تشعري به فهو حتمًا يشعر بكِ، وستعرفين هذا عندما تكبرين وتُصبحين أُمًا، حينها ستعرفين أن الوطن الحقيقي هو الأب، وإن الذين أخذهم غرورهم بعيدًا عن ذلك الوطن “مهما كان وطنهم بشعًا ” فهم يعيشون في غربة، ويبقون خائفين ايًا كان مكانهم.
والدكِ جندي النهار فلا تُقابلي كدحه بجحود يثقب عباءة عُمره، وتكتبي تاريخ كفاحه على مزاج مراهقتك، وتتركيه مهزومًا يصوغ خيبته على مقاس حكاياته.
والدكِ الذي كُنت تعتبريه سطر في كتاب يومياتك، كان يراكِ يومه وأمسه ومستقبله، ومنذ اللمسة الأولى التي أودعوكِ بها في حضنه إحتللتِ مساحةً من قلبه وعمره لايمكن تحريرها.
ستكبرين لتعرفي لأي مدى يصل صوتكِ وأنتِ تُنادين عليهم، ستكبرين لتكوني ايضًا وطن من لحم ودم، وطن أكبر من مجرد حضن وحكاية، وطن ينتظر العزاء من مواطنيه فلا هم بادروا بذلك ولا أنتِ وجدتِ العزاء بهم.
وفي مُنتصف حديثي معها تذكرت ذلك الشيخ الجليل الذي أكلت الأيام وجهه، حين خرج ليقول للعامة: ” انا لم اشعر بالهزيمة لأن ابني طردني من بيته، ولكنني شعرت بالإنهزام من ذاتي وكان ذلك أصعب ما مر بي في حياتي”.
يشعر بالهزيمةِ من ذاته لأنه افنى ذاته ليبني ذات ابناءه، وما أن شد ساعدهم حملوا حقائبهم ومضوا يشدهم زهو الحياة، وتركوه خلفهم، تركوه ليكتب الفصل الأخير من روايته، ولما إنتهى حبر عُمره، لفوه بالأبيض وحملوه إلى مثواه الأخير قبل أن يتذوق زرعًا أفنى عُمره وهو يسقيه.







