عاجل

سحر الكلمة

بقلم : أمل يونس

      خلق الله الإنسان في أحسن تقويم وأبدع أيما إبداع في خلقه!! فجعله مزيج فريد من الروح والنفس  والجسد؛ لذا نجده يتأثر بالعديد من العوامل المادية منها والحسية كيف لا، وهو قد تؤثر عليه حتى الكلمة العابرة!! فقد قال عز من قائل :{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ(97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ(98)}
وهذا لبرهانٌ جلّيٌ على أثر الكلمة، فتأثيرها أشبه بالسحر على بني آدم، فنجده قد يَصغَرُ أعوامًا عديدة بسماعه لكلمةٍ طيبةٍ تُصَبُ في أذنيه أوتُهمَس بوجدانه!! وفي المقابل نجده يَكبر عقودًا مديدة جرَّاء كلمةٍ موجعة غارت في نفسه وأحدثت جرحُ ألفِ عامٍ وعام!!  فيحمل أطنانٌ من الأثقال بين طيات فؤاده إزاء ما وقع على مسمعه من الكلام الجارح في حياته وإلى مماته.
والكلمة بطبيعتها السحرية يتعدى تأثيرها لأفاقٍ جدًا بعيدة، أي حتى على الحيوانات والجمادات في هذا الكون الفسيح والأمثلة على ذلك تَنُوءُ بها السطور من كثرتها، لكن (الباحثة المجتهدة) توصلت بعد فترة ليست بالقصيرة من التفكير والتأمل والبحث العلمي لحقيقةٍ لا مجال فيها للشك أولإختلاف وجهات النظر، فأعربت موضحةً خطأ من يظن بأن الكلام قد يُقال ويُسمع ويطير في الهواء ويتنقل عبر الأثير دون ما أثرٍ يُخَلِّفه،  فلطالما صنعتنا الكلمات وساهمت في بنائنا الشامخ، أو صدّعت في هياكلنا وهدمتها؛ فأفقدتنا أجزاءً متفرقة من كياننا بلا رجعة.
ولنا أن نعلم بأن تجاذب الأحاديث الجميلة بكل أنواعها النثرية منها أوالشعرية؛ هو ما يحدث فرقًا واضحًا في تكوين شخصياتنا من قبل حتى أن نولد!!  ولقد أُثبِت أن الجنين يتأثر نموه بصوت أمه أو أبيه إذا ما وَجّها له الكلام العذب أو نقيضه!!
  إذن، لا بد أن نعترف بحقيقة “ضعف الإنسان” فهو كائنٌ حساس جدًا مهما بلغ من القوة أو التظاهر بالجبروت الذي قد يغطي به هشاشته، فالكلام من شأنه رفعُ أقوامٍ وخفضِ أخرى.
فلا عجب أن شبه المولى -عز وجل- الكلمة الطيبة في كتابه العزيز بالشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، والأعجب منه ما ورد عن التأثير السلبي للكلمة الخبيثة على المدى القريب والبعيد في غفلةٍ ورعونةٍ من قائلها؛ فيهوي على إثرها سبعين خريفًا في نار جهنم -والعياذ بالله-
نعم، فبهذه الحقائق العظيمة وغيرها عن تأثر النفس البشرية بالكلمة، اتخذت (باحثتنا) معنى متجددٍ ومتجلٍ اتسم بالديمومة في كل زمان ومكان وهو استخدام ألفاظ ومعاني كلام الله -عز وجل- لما فيهما من رونقٍ وبهاءٍ لا يخبوان، ورغبةً منها في نيل الأجور المضاعفة عند تكرارها لهما في كل حين، ففي الوقت الذي يروق للكثيرين الاستشهاد ببعض الومضات المتوهجة في نهاية حديثهم واستعمالهم لبعض كلمات الشعر أوالنثر أو ما عَذُبَ من أقوال الحكماء “وهذا بطبيعة الحال أمرٌ جيدٌ ومحبب” هي أرادت أن تتمسك بقواعدٍ راسخةٍ تكرر ذكرها في القرآن الكريم إما صراحةً أوضمنًا، كقوله سبحانه وتعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً}
ثم إرتئت إضافة قاعدة أخرى في قاموس كلماتها المنتقاه بها تأصيلٌ وترسيخٌ لمبدأ لا يقل أهميةً عن القول الحَسَن آلا وهو “جبر الخواطر” ولقد جاء في الأثر مقولة شهيرة تقول:(من سار بين الناس جابراً للخواطر أدركه الله في جوف المخاطر)
وجبر الخواطر خلقٌ إسلامي عظيم إن دلّ على شيء فإنه يدل على سموٍ في النفس وعظمةٍ في القلب وسلامةٍ في الصدر ورجاحةٍ في العقل، ففي هذا الخلق النبيل يَجبر المسلم نفوساً كُسرت وقلوباً فُطرت وأجساماً أرهقت وأشخاصٌ ابتلوا بأرواح أحبابهم التي أزهقت.
ولعظم ما لهذا الخلق من فضل ومكانة، كان لسورة الضحى وقفاتٍ عظيمة في جبر الخواطر وقد تجلت في قوله تعالى : {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}  ويال روعة العطاء المستمر في هذه الآية الكريمة فالله يعطينا من فضله حتى نصل لحالة الرضا، وتالله لهي رسالة إلى كل مهمومٍ ومغموم، وتسليةً لكل صاحبِ حاجة، وفرجٌ لكل من وقع ببلاءٍ أوفتنة.
والجدير بالذكر هو أن الجبر كلمة مأخوذة من اسم الله  “الجبار” وهو من الأسماء الحسنى فهذا الاسم بمعناه الرائع يُطمئنُ القلبَ ويريحُ النفس فهو سُبْحَانَهُ “الذِي يَجْبُرُ الفَقرَ بِالغِنَى، والمَرَضَ بِالصِحَّةِ، والخَيبَةَ والفَشَلَ بالتَّوْفِيقِ والأَمَلِ، والخَوفَ والحزنَ بالأَمنِ والاطمِئنَانِ، فَهُوَ جَبَّارٌ مُتصِفٌ بِكَثْرَةِ جَبْرِهِ حَوَائِجَ الخَلَائِقِ”. تفسير أسماء الله للزجاج (ص: 34).
ثم اختتمت (باحثتنا المجدّة) رحلتها البحثية القيّمة عن “سحر الكلمة” داعيةً ربها بأندى الدعوات، مناجيةً إياه بأن يستعملها ولا يستبدلها وأن يجبرها ويعينها بعونه على السمو الأخلاقي قولاً وعملاً وأن يساعدها على جبر كل قلبٍ سمعت بكسره ووجعه، ولو بدعائها له في ظهر الغيب.

عن عين الوطن

شاهد ايضا

أفكار بسيطة لشركات أكثر نجاحا واستمرارية

د.علي البخيت يترك الأشخاص وظائفهم لأسباب كثيرة ، لكن معظمهم يغادرون لأن بيئة عملهم ليست …