عين الوطن – بقلم الاستاذ / سليمان علي الشهري
خلقَ الله سبحانهُ وتعالى الأرض وكانت خرِبَةٍ خاليةٍ لا يوجدُ على ظَهرِها أيُّ مخْلُوق، وقد خلق الله سبحانه الأرض قبل السموات بقول أكثر المفسرين، ثم بعد ذلك دحيت الأرض وبُسطت، وجُعِلَ فيها الجبالُ والأنهارُ والأشجارُ، قال ابن كثيرٍ في التفسير: أن هذه الآلية في خلق الله سبحانه وتعالى هي سنة الله الكونية في شأن البناء، وهو أن يبدأ بعمارةِ أسافلهِ ثمَّ أعاليه بعد ذلك، وبذلك فقد كان خلق الأرض قبل السموات (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).
وبعدَ أنْ خَلَقَ اللهُ جلَّ في عُلاه السَموات والأرض في ستةِ أيامٍ، خَلَقَ سبحانهُ وتعالى الإنسان بِدءً بآدم عليه السلام الذي خلقه سُبحانهُ وصنعه بيديه من طينٍ كالفخار، كما في قولهِ جلَّ في عُلاه: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ).
وقد خلقَ الله البشرية لحكمةٍ إلهيةٍ عظيمةٍ ولم يخلقهم سبحانه عبثاً، فقال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ • فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ)، الحكمة الإلهية هي في قوله سبحانه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ • مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ • إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ).
ومع كل ما خلقه الله سبحانه وتعالى من أجل الإنسان وللإنسان، فإنه حتماً ومن غير المعقول أن يخلقنا الله تعالى على هذه المعمورة ويسخر لنا كل ما فيها من جبالٍ وبحار وأنهار ومحيطات ونباتات وأحجار وكائنات، وأن يجعلنا في أحسن صورة، ويكرمنا كلَّ هذا التكريم نحنُ بني البشر، فقط من أجل أن نأكل ونشرب ونتكاثر ونلهو ونلعب، إنما خلقنا الله البارئ المصور لمهمةٍ عظيمةٍ وجسيمةٍ من أدركها وعمل بها نالَ الخير في الدنيا والنجاةَ في الآخرة.
والسؤال الأهم ؟ ماذا قدمنا لمن قدم لنا ؟؟ وهو الله سبحانه وتعالى، وماذا قدمنا لدين الله؟ وماذا بذلنا للإسلام من جهود؟ وماذا أنفقنا له من أموال؟ وماذا قدمنا له من أوقات؟ وكم مرة حزنا على ما يتعرض له المسلمون من ذبح وإبادة في كثير من بلدان العالم؟ وكم مرة مسحنا دمعة يتيم، أو أعدنا فيها البسمة إلى شفاة أرملة، أو سترنا مسلمة من التهتك والانحراف؟ تساؤلات هي مرة مريرة على كلِّ مسلمٍ عاش في هذه الدنيا دون التقيد بأوامر الله ونواهيه والتقيد بالهدف الأسمى والحكمة الإلهية التي من أجلها خُلقَ الإنسان في هذه الحياة الدُنيا، وماهي إلا حياة قصيرة تمهيدية لحياة طويلة تبدأ من حفرة في الدنيا وتنتهي بجنةٍ نعيم أو نار جحيم، فلا ينفعه في ذلك الوقت إلا عمله الذي قد عمل، ولا ينفعه ماله ولا عياله ولا شيخته ولا إمارته، فالكلُّ تحت التراب، كما قال الشاعر:
أتـيـــت الــقـبـــور فـناديتـهــا
فأين المـــعــظـم و المــحـتــقــر
و أيــن الأمـيـــر ومــا حـــــازه
بسلطــانه فــي الزمان الأغـــر
و أيـــن الغـنـــي و أمـــوالــــه
و أين القصور التـي قد عمــر
و أين الــذي فـاخـر الـنــــاس
يـــومــــا إذا مـــا ظــــهـــــر ؟؟
إلى أن قال:
و مــالك في القـــبر من ناصــر
و لا منـقـــذ يأتــي فــأين المفــر
فـســارع إذا كــــنت ذا حكــمــة
إلى الخير واحذر دروب الخطر
و لا تـأمـــنن الـحـــيــاة الــتــي
تـقـــلـب بــين القـضــا و الـقـدر
لإن زانت اليـــوم خـــانت غـــدا
فخـذ ما يفـيــد وسـر في حـــذر
فـــإن كـــنت لاهٍ أتــاك الـرفيـــق
الـــــذي فــيــــه بــشـرى سـقــر
وإن كنت فيما مضى محسـنـا
فأبشر فقـــــد حـــزت زاد السفر
وختاماً.. لا عزةَ ولا شرف ولا كرامة ولا قوة ولا هيبة لنا بين الأمم إلا بالإسلام، (وهل عُرفنا أصلاً إلا بالإسلام؟)، كما قال عمر بن الخطاب- رضى الله عنه: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله)، فلنعطي هذه النعمة العظيمة حقها، والتي من أجلها خُلقت السموات والأرض بِما فيهن، وخلقت الجنة والنار، جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة وكفانا وإياكم نارُ الجحيم، وأخيراً وليس آخراً.. علينا ألا نغفل أبداً عن السؤال دائماً (ماذا قدمنا لمن قدم لنا ؟؟).

(
(


