الغبي والمتغابي
بقلم / صالح المسعودي
فارق كبير عزيزي القارئ بين معنى الكلمتين رغم قربهما اللغوي، فكثير منا يطلق كلمة غبي على أنها سبة في جبين الشخص (قليل الفهم)، وهو من وجهة نظر البعض الإنسان منخفض الذكاء وما إلى ذلك من المسميات والألفاظ التي تُعرّف معنى الغبي، ولكن ما علاقة المتغابي بالغبي؟ هذا هو محور حديثنا في هذا المقال البسيط والذي أتمنى فيه من القارئ العزيز أن يمعن النظر في كلماته؛ لأنها تبحث عن كيفية أن نعدّل من سلوكياتنا حتى يسهل علينا التعايش داخل مجتمعٍ متماسك.
فالمتغابي: هو من يتكلف الغفلة رغم إدراكه للأمور ترفّعا منه عن الصغائر ، ولم أجد أعظم من قول الله -عز وجل- وسامًا يكون قريبًا من المتغافل والتغابي كقوله تعالى:((ادفع بالتي هي أحسن))، ففي التغافل بُعدٌ عن ردّ السيئة بمثلها بل وتناسيها ترفعا عن سفاسف الأمور التي لا تعقب إلا الأحقاد بين الناس؛ ولهذا تجد بعد قوله ((ادفع بالتي هي أحسن)) قوله -عز وجل-:((فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)).
فتخيل معي عزيزي القارئ أنك عندما تتغافل عن زلات الغير رغم علمك بها هو نوع من دفع السيئة بحسنة، فيكون المقابل أجمل وهو تحول الخصم إلى حبيب بعدما رأى منك هذا الطيب وهذه الأخلاق الراقية، ثم إننا نجد في تراثنا الشعبي ما يؤكد تلك الكلمات من خلال أمثال توارثناها، مثل:( ما محبة إلا بعد عداوة)، ومعناها أنك عندما كان ردك على عداوة الغير بشكل طيب أنبت في قلب خصمك احترامًا لك جعله يقدر فيك هذا المعروف، بل وتنقلب عداوته لحب لك.
ولله در الشاعر عندما يقول:
ليس الغبي بسيد في قومه ** لكنّ سيد قومه المتغابي
فمن أراد أن يسود في قومه وفي محيطه ومجتمعه عليه أن يتغافل عن زلات الناس، وقد أعجبني قول أحد أصدقائي لي في هذا الصدد( من أراد أن يحتفظ بأصدقائه عليه أن يتعامل بنظام "الجملة"، بمعنى عدم الوقوف وعدّ أخطاء الغير والصديق، وإن كان ولابد فعليك كل فترة كبيرة أن تعمل له كشف حساب بشكل متوازن وتعدد حسناته أولا ثم تجمع زلاته، وساعتها ستجد أن حسناته أكثر بكثير من زلاته).
أما من يقوم بمحاسبة الغير أولا بأول فلن تجد له أصدقاء؛ لأنه يتعقب الأخطاء أولا ومن الممكن أن يتغافل عن الحسنات، ولابد أن تذكر دائما أنه لا يخلو شخص من نقص، وأذكر هنا قولًا جميلًا لمحمد بن عبد الله الخزاعي وهو قوله:(سمعت عثمان بن زائدة يقول: "العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في التغافل" قال: فحدثت به أحمد بن حنبل، فقال: "العافية عشرة أجزاء كلها في التغافل").
وهناك أقوال كثيرة تدور حول التغافل و التغابي، مثل قول الشافعي (عليه رحمة الله):"الكَيِّس العاقل هو الفطن المتغافل"، والحسن البصري يقول:(ما زال التغافل من فعل الكرام)، وهناك الكثير من أقوال الحكماء التي تدور حول أهمية التغافل وترك صغائر الأمور والتغاضي عن زلات وعيوب الغير.
كم نحتاج عزيزي القارئ إلى التأسّي بتلك التصرفات الجميلة وخاصة في أيامنا هذه التي تتوالى فيها الفتن كموج البحر، كم يكون جميلا أن نجد المتغافل أو المتغابي في كل مناحي الحياة بداية من الأسرة وبين الجيران وفي العمل، فقد مرت الكثير من المحن الشداد على هذا الوطن ولكنه تخطاها بفضل الله ثم بفضل تماسكه فهو في رباط بفضل الله وعونه إلى يوم القيامة.
اقرأ أيضاً





