أين أنت منك؟
بقلم: عبد الحميد الكاتب
قد يبدو كل شيءٍ من حولك عظيمًا وكبيرًا وهائلًا له بداية دونما نهاية، لكنّ الأمر الذي لا شكّ فيه أنّ كل شيءٍ يبدأ من داخلك، فتصالحك مع نفسك هو النعمة التي سيشعّ نورها على محيطك، واقتتالك مع نفسك هو النقمة التي لا توازيها نقمة في البؤس والشقاء.
نعم، الأشياء من حولك ساكنة حتى تتحرك، والحروف من حولك صامتة جامدة حتى تضع النقاط عليها، والأمر متوقّفٌ على رغبتك المنبعثة من أعماقك، والسيف الذي تُشهِرُه على عاداتك وتقاليدك، لتخرج من أسرها، وتنفكّ من أغلالها، وتنطلق نحو الحياة حرًّا أبيّا، تعمرها بالخير والنور.
إنّما نحن نسير إلى الموت بأقدامنا، هذه حقيقةٌ تقولها أقدارنا وتصدّقها أفعالنا إن كذّبتها عيوننا، لكنّ منّا من يسير مطمئنّا ساكن البال، يأخذ بحظّه من هذه الحياة، ويستبقي عملًا للحياة الأخرى، ومنّا من يسير مشتّتًا مبعثرًا، لا يزيده مرور الأيام إلا عذابًا ومرارة، يختلف السير والمسارات والمصير هو هو، والنهاية واحدة.
إذا علمت هذا فاسأل نفسك: أين أنت منك؟ اسأل نفسك هذا السؤال ودعْ نفسك تجبْ عنه، فلن يستفيد أحدٌ من إجابتك غير الصريحة، بل سيكون الأمر عسيرًا للغاية لو أنّك جهلت الإجابة، أو تحايلت عليها، أو تجاهلتها بالكلّيّة.
أنت تقطع أيام العمر ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضَرا، ذهابًا وإيابًا، مرضًا وصحّة، فرحًا وحزنا، اجتماعًا وافتراقا، فما عسى أن يُخرِجَ ذلك منك؟ وما عسى أن يُدخِل ذلك فيك؟ ثمّ إنّ احتكاكك بما تمرّ به لن يكون إلا انعكاسًا لما يمرّ بداخل عقلك وقلبك.
ما هي آخر مرّة جالست فيها نفسك؟ وما آخر مرّة أكرمت فيها نفسك على إنجاز؟ أو عاقبتها على تقصير؟ أو صارحتها مصارحةً شفّافةً تمامًا متجرّدةً من أي شيءٍ غير الصراحة؟ هذا هو السؤال المُلِحّ الذي يطاردني وإياك أينما كنّا، وينام معنا ويستيقظ.
مَن كان يظنّ أنّه خُلِق ليتمتّع بالموجودات والمخلوقات فقط فقد عرف خارجَه وجهِل داخلَه، ومَن سار ليكون سببًا في سعادة غيره ويحقّق أهداف سواه فقد ابتعد كثيرًا عن نفسه التي بين جنبَيه، فالإعمارُ إعمارُ النفس، وأوّلُ الحياةِ حياتُها.
@abdolhameed.id
اقرأ أيضاً





